Wednesday May 29, 2024     
00
:
00
:
00
  • Street journal

العلاقات الاقتصادية الروسية السورية.. هل من جديد ؟!

العلاقات الاقتصادية الروسية السورية.. هل من جديد ؟!

عشتار محمود

للمرة الثالثة خلال عامين يزور وفد اقتصادي روسي كبير سوريا، ويعمّ الحديث عن الاتفاقيات الحكومية الواسعة في المجالات الصناعية والتجارية والخدمية، عدا عن اتفاقيات الاستثمار. 

ولكن الصدى الواسع لهذه الزيارات يتركز في الإعلام الرسمي، ولا يتحول إلى وقائع فعلية ذات تأثير اقتصادي واسع على الأرض.

خلال ظرف العقوبات وتحديداً بعد تشديدها منذ مطلع عام 2019، اتجهت الأنظار إلى الأطراف الدولية التي لا تلتزم بالعقوبات الغربية أو التي تتعرض لها، مثل روسيا وإيران أصحاب الدور السياسي الفاعل في سوريا. 

والتوقّع الطبيعي أن تتجه السياسات السورية نحو زيادة العلاقات التجارية والتبادل مع هذه الأطراف لانفتاحها السياسي على تجاوز العقوبات، ولكن هذا لم يحصل.

رسمياً أصبح هناك لجنة سورية روسية دائمة ومشتركة تعقد اجتماعات شبه دورية للتعاون التجاري والاقتصادي والعلمي والتقني. 

ولكن عملياً النتائج أقل من الوزن المفترض من لجنة من هذا النوع، ولم يرشح عن التعاون الحكومي الاقتصادي بين الطرفين إلا القليل: الاستثمارات، توريد القمح وهي الجوانب الوحيدة التي كانت ملموسة نسبياً.

تسجّل بعض الجوانب الأخرى في التعاون الاقتصادي، ولكنها محدودة... كحالة الإعلان عن توريد الطرف الروسي لمعدات وآليات لقطاع الإنشاءات الحكومي بسعر منخفض، أو مثلاً التعاون في قطاع الاتصالات حيث تبين أن شركات روسية ساعدت شركة محلة معاقبة على تجاوز الحدود التي فرضتها الشركات الغربية وتجديد تراخيص أنظمة التشغيل، ومثل هذا المثال البسيط قد يكون هنالك الكثير، ولكن بالمجمل لا ترقى هذه المستويات من التعاون لتكون ذات تأثير أو صدى اقتصادي واسع.

القمح روسيا مورّد لكل المنطقة!

تعتبر روسيا الوجهة الأساسية لتوريد القمح إلى سوريا، ولكن هذه المسألة لا ترتبط بالعقوبات... فعملياً القمح مستثثنى من منظومة العقوبات الدولية، وروسيا هي المورّد الأساسي لمعظم دول الشرق الأوسط بالقمح باعتبارها المنتج الأكبر دولياً، والأقرب جغرافياً، والأقل تكلفة نسبياً. 

يضاف إلى هذا أن سوريا تستورد الحبوب من السوق الروسية والأوكرانية بكميات متقاربة، وعبر القطاع الخاص وبعقود كانت أسعارها أعلى من الأسعار العالمية بنسبة قاربت 40% وهي تسعيرة هامش التكلفة الإضافي التي يضعها كبار المستوردين  لقاء الاستيراد للحكومة.

بالطبع يعتبر توريد القمح جزء من العلاقات الحكومية، وقد بدأت الكميات بالزيادة خلال العامين الماضيين. فبينما قاربت كميات العقود 350 ألف طن تقريباً خلال عام مضى، يتم الحديث عن توريد مليون طن للعام الحالي وفق تصريحات للسفير الروسي.

وبالمجمل فإن التعاون في تأمين القمح، لا يعتبر إطار حكومي استثنائي، فروسيا أكبر موردي القمح العالمي، وسوريا تستورده بوسطاء خاصين، أو عقود بين الحكومتين وأسعار عالمية.

الاستثمار المجحف والمسيء للعلاقات

عملياً أكثر ما يتحدث عنه الإعلام والشارع السوري، هو نشاط الاستثمارات بين الطرفين، وقائمة الاستثمارات المحدودة التي حصلت بسرعة خلال الفترة بين عامي 2017-2018 وقبل تشديد العقوبات والتي عقدت مع شركات خاصة روسيا، وبشروط مجحفة، والأهم أنها لم تدخل حيز التفعيل الإنتاجي الجدّي بعد.

وهي الحالة في استثمار حقل الفوسفات في خنيفيس ومعمل الأسمدة في حمص التي تمّ التعاقد فيها مع طرف واحد وبنسبة 30% فقط للجهة الحكومية السورية، وبالمقابل معمل الأسمدة متوقف، وتصدير الفوسفات لم يتحسن، بل يتم الآن الحديث عن إعادة العمل بمعمل تجفيف الفوسفات في خنيفيس! ليضاف إلى هذا عقد استثمار المرفأ الذي لم ينتج عنه بعد عامين من توقيع العقد إلى أي تحسين جدي في البنى التحتية في المرفأ كما تمّ التعاقد. 

يضاف إلى هذا ما تمّ الحديث عن عرضياً لعقود في التنقيب عن النفط في البحر والبر لم يرشح عن تفاصيلها شيء يذكر.

هذه العقود التي تسيء عملياً للعلاقات السورية الروسية، ويحق لكل السوريين أن يتساءلوا عن ضروراتها وشروطها وأطرافها وتوزّع النسب فيها، ومستوى فعاليتها أو تعطيلها لثروات ومرافق أساسية محلية. وهي استثمارات لم تساعد عملياً في تجاوز العقوبات حتى الآن، بل إنها وقّعت قبل تشديد العقوبات، وتعطّلت مع تشديدها.

التبادل التجاري تحسّن طفيف

أما إذا انتقلنا إلى مجال التعاون المرتبط بالتجارة الخارجية، فإن المؤشرات هي الأسوأ... رغم وجود مؤشرات تشير إلى تطورات نسبية في العام الماضي.

روسيا دائماً في مرتبة متأخرة في سلم التبادل التجاري السوري، وتأتي متأخرة في قائمة الشركاء التجاريين. وهذا سابق للأزمة ولاحق لها. في البيانات الرسمية للتجارة الخارجية المتوفرة لعام 2019، لم تشكّل الواردات الروسية إلى سوريا إلا 82 مليار ليرة كانت تقارب في حينه 170 مليون دولار تقريباً، وكان نصف هذه الواردات من قمح تقريباً وهي لم تشكّل نسبة 3% من مجموع الواردات السورية. وكانت المستوردات من دول الاتحاد الأوروبي أربع أضعاف المستوردات من روسيا.

في عام 2020 لم تصدر بيانات رسمية بعد، لكن بأخذ مؤشرات من البيانات الدولية وتحديداً من بيانات مركز التجارة الدولي ICT فإن الواردات الروسية إلى سورية تحسنت بشكل طفيف. ونسبة 8% زيادة لتصل إلى ما يقارب 182 مليون دولار. كما أنها تقدمت على سلم المورّدين إلى سوريا لتصبح الرابعة، وطبعاً بعد كل من تركيا والصين ومصر. 

ولكن الملفت أن كل الأطراف التي يستورد منها التجار السوريون قد تقلصت وارداتها إلى سوريا، باستثناء روسيا ومصر التي زادت أيضاً وارداتها بنسبة 3%. ويرجع السبب بشكل أساسي إلى أن واردات روسيا إلى سوريا هي من الأساسيات والقمح تحديداً التي لا يمكن تخفيض كمياتها حتى في ظروف أزمة دولية كأزمة عام 2020 التي قلصت حجم التجارة الدولية عالمياً.

أمّا التصدير إلى روسيا فلا يزال بالحدود الدنيا، فعملياً التصدير السوري الذي يقتصر تقريباً على الخامات الزراعية يتجنّب آليات التصدير بالنقل البحري وبالاتفاقيات الحكومية بين روسيا وسوريا التي تمّ الحديث عنها كثيراً، ويفضّل التجار آلياتهم التقليدية التي يجمعون بها الخضروات والفواكه بأسعار منخفضة من المزارعين ليصدّروا بالشحن البري إلى الإقليم. أمّا الحكومة فليس لديها القدرة أو الإرادة على تحفيز هؤلاء جدياً لدواعي تحسين العلاقة الاقتصادية مع روسيا أو مع غيرها والسوق تعمل بالآليات المتاحة لها والمعتادة عليها والتي تتناسب مع ظروف فوضى السوق السورية التي تتيح معدلات ربح أعلى وكلف تعبئة وتغليف ومواصفات أقل.

أخيراً يمكن القول إن تجربة العلاقات الاقتصادية السورية الروسية، ليست فعّالة حتى اليوم... والنوايا والرغبات المعلنة من الحكومات لا تتحول إلى تحركات فعلية على الأرض إلا بالحدود الدنيا، لهذا أسبابه العديدة التي قد لا ينفصل بعضها عن السياسة، ولكن أسبابها الأعم والأبرز أن السوق السورية وأصحاب الموارد والاموال الذين يمتلكون زمام القرار لم تدفعهم العقوبات إلى تغيير آلياتهم وتوجهاتهم جدياً، ولا زالوا دورون في فلك وعقلية العلاقات الاقتصادية السابقة الأميل للغرب وللإقليم. 

وهؤلاء تحديداً لا يناسبهم عقود رسمية بين حكومات تصبح مساحة التلاعب بالأسعار والمعايير فيها أقل وأضيق، بل يناسبهم عملياً أن تبقى سوق الاستيراد المهرّب من تركيا هي الثقل الأساسي. 

أمّا السوق الروسية ليست مبادرة جدياً حتى الآن للمجازفة في ظل العقوبات، ولم يرشح منها إلى سوريا إلا اتفاقيات استثمارية مع جهات خاصة كان لها علاقات سابقة في قطاع الغاز والنفط السوري وتربطها بالجهات السورية ذلت الوزن علاقات قديمة... استثمارات أقل ما يقال عنها حتى الآن أنها استثمارات مضرّة وينبغي إعادة النظر بها، قدّمت فيها الحكومة تنازلات كبيرة لصالح (أطراف خاصة روسية) كما هو معلن.

https://www.facebook.com/105986514160132/videos/969091893906078

المصدر: خاص

بواسطة :

شارك المقال: